السيد نعمة الله الجزائري

46

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

فالباء للالصاق أو للسببية ، أي جعل لنا الأفضلية على جميع الخلق بالكيفية الراسخة الذاتية لنا من غير تجشم كسب ، بعيدا جدا ، فإن إطلاق الملكة على ما ذكر اصطلاح طارىء ، والإنسان منا إذا قرأ مثل هذه الفقرة ينبغي أن يقصد ملكة هذه الأمة المرحومة على جميع الأمم ، فإن منها الأئمة عليهم السّلام وقد جعل اللّه سلطنتهم ووجوب طاعتهم شاملا لجميع الأمم ، بل لسائر المخلوقات ، كما دلت عليه الأخبار المستفيضة من أنه تعالى عرض ولاية أهل البيت على المياه والجبال والأراضي والأشجار والطيور والسباع وسائر الحيوانات والموجودات ، فقبلها بعض المياه فاحلولت ، وأباها البعض الآخر فصارت مالحة ، وكذلك الأراضي الطيبة والخبيثة ، وكذلك الأشجار ذي الثمار الحلوة والمرة وعديمها ، وأما الطيور فقد أباها منها العصفور وقد كان يحب الجبت والطاغوت ، والفاختة « 1 » ، وقبلها أكثر الطيور ، وقد تفاوتت مراتب القابلين بتفاوت مراتب حبهم وولايتهم لأهل البيت عليهم السّلام . « فكلّ خليقته منقادة لنا بقدرته » الخليقة فعيل بمعنى مفعول ، وإلحاق التاء به لصيرورته اسما كالذبيحة ، ونحن إذا قرأناه ينبغي أن نقصد ما مر من نسبة الحكم إلى الكل باعتبار البعض ، كما يقال بنو تميم قتلوا زيدا وإنما قتله واحد منهم ، ويمكن إجراؤه على ظاهره فإن اللّه تعالى قد جعل جميع المخلوقات من العالم العلوي والسفلي منقادة لابن آدم ، متمنطقة لخدمته ، فإن من أشرفها الأنبياء ، والملائكة ، والأنبياء يخدمونهم في تبليغ الرسالات إليهم وهداياتهم ، وأما الملائكة فبعضهم موكل بإيصال السحاب والأمطار والأرزاق إليهم ، وبعضهم موكل بالاستغفار للمؤمنين منهم ، بحكم قوله تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وإذا كان حال الأنبياء والملائكة فما ظنكم بغيرهم . « والحمد للّه الّذي أغلق عنّا باب الحاجة إلّا إليه » حذف صلة الحاجة لقصد التعميم ، أي لم يحوجنا في كل أمورنا إلى أحد ، أو لم يجوّزه لنا ، إلا إليه ، وأما احتياج الناس بعضهم إلى بعض ، الاحتياج الذي يتوقف

--> ( 1 ) الفاختة : ج . فواخت ، نوع من الحمام البري المطوق . سميت كذلك للونها لأنه يشبه الفخت أي ظل القمر .